...الحرب ما علمتم وذقتم

الشعراء المائيون السياب نموذجًا

د. كامل فرحان صالح

الماء تطهير وشرط للخصب، ألم يطهر الله الأرض بالطوفان؟، ويخلق من الماء كل شيء حي (2)؟ وعندما لا تمطر السماء، ألا يقيم المسلمون "صلاة الاستسقاء" تضرعًا لله تعالى، وذلك كي يغيث الأرض والعباد؟ وعندما يصعد المؤمن إلى السماء، ألا يسكن في جنة تجري من تحتها الأنهار؟ وألم يقدم السيد المسيح الماء إلى تلامذته، قائلاً: "اشربوا هذا دمي".. ومشى فوق الماء.. وتعمّد بالماء (3) ؟ وحوّل الماء إلى خمر في عرس الجليل، وكانت هذه أولى معجزاته (4)؟.
لذا يعتبر الماء من العناصر المقدسة في الأديان وبخاصة عند المسيحيين، إذ ليس يقدر أحد الدخول ملكوت السموات ما لم يولد من الماء والروح (5). من هنا كانت المعمودية بالماء بمثابة العودة إلى رحم الأم ليولد المؤمن من جديد(6). ويقول السيد المسيح: من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا له، فلن يعطش أبدًا، فإن الماء الذي أعطيه له ينقلب فيه نبعًا يتفجر حياة أبدية(7). كما ارتبط رمز الماء بمريم العذراء في صلوات الكنيسة: "افرحي يا ينبوع الماء الحي الذي لا يفرغ(8)".
ويمكن القول إن الماء رمز من رموز الأمومة(9)، وهو الحركة التي تدعونا إلى السفر، لأن المياه الجامدة توحي بالموت وتدعو له(10). لهذا يمكن اعتبار الأم والماء من رموز المسيح التي تشير إلى ثيمة الموت والانبعاث(11).
يلحظ، بدءًا من ذلك، مدى أهمية الماء لا للبشر وحسب إنما للدين أيضًا، وهو كذلك للشعر العربي الحديث.
لعل أكثر الشعراء العرب "مائية"، إذا صح التعبير، هو بدر شاكر السياب(12)، إذ قلما لا نجد الماء وعناصره في شعره. وبتأمل عناوين قصائده(13)، يجد المرء في ديوانه أزهار وأساطير: قصيدة "أقداح وأحلام"؛ والقدح إشارة إلى الخمر - الماء، وقصيدة "نهر العذارى". وفي ديوانه "المعبد الغريق" يبرز رمز الماء منذ البداية: الغريق، والغرق يكون عادة في الماء، وقصيدة "الغيمة الغريبة"، و"يا نهر"، و"صياح البط البري" والبط من الحيوانات المائية. وفي ديوان منزل الأقنان، قصيدة "هدير البحر والأشواق"، و"أسمعه يبكي". وفي ديوانه أنشودة المطر، أكثر دواوينه "مائية"، تأتي قصيدة أنشودة المطر - عنوان المجموعة - أبرز قصائد السياب، وأشهرها ارتباطًا برمز الماء وتحولاته وعناصره، ثم القصائد: "غريب على الخليج"، والخليج من قاموس الماء، وقصيدة "قارئ الدم"، و"النهر والموت"، و"مدينة بلا مطر"، وقصيدة "بور سعيد" وهي مدينة مصرية ساحلية.
يلاحظ، أن تدفق استخدام رمز الماء، وعناصره، وإشاراته، وتحولاته في عناوين قصائد السياب بدأت قليلة، ثم توسعت إلى أن شحت في ديوانه الأخير "شناشيل ابنة الجلبي وإقبال"، حيث غاب رمز الماء كليًّا عن عناوين قصائده، ولعل ذلك يرمز بشكل أو بآخر، إلى النهاية - الموت، أو "هرم تموز - المسيح" الذي لم يعد بإمكانه أن يموت ويعود إلى الحياة. وهذا لعله يتقاطع مع المراحل الأربع التي مرّ بها السياب وشعره(14)، وهي:
- الرومانسية 1943- 1948.
- الواقعية 1949- 1955.
- التموزية أو الواقعية الجديدة 1956- 1960.
- الذاتية 1961- 1964 (15).
فالمرحلة التموزية أو "المرحلة المائية" هي عهد بدر الذهبي، وذروة مجده، وأثبت ريادته للشعر الحديث بجدارة، بعد أن تراجعت نازك الملائكة. كما أثبت في هذه المرحلة تمثله لتجربة ت.س. إليوت تمثلاً حيًّا، ويبدو ذلك واضحًا في عدد من قصائده.
أما المرحلة الأخيرة من حياة بدر: الذاتية، فهي فقيرة ومحزنة؛ لقد واجه قدره، وأصبح يدافع عن "مجرد بقائه". الموت لم يعد رجولة ولا حبًّا ولا فداء، بل أصبح عبثًا. إن قارئ شعره في هذه المرحلة: (المعبد الغريق ومنزل الأقنان، وشناشيل ابنة الشلبي وإقبال) يلمس كيف أصبحت الحياة في نظر السياب موتًا فقط.. الموت الحقيقة الوحيدة في الوجود(16).
لكن الماء ضد الموت، والمسيح- تموز كذلك، والسياب - ما قبل المرحلة الأخيرة - لمس في شعره هذا الانبعاث المتجدد، حيث الماء يجري، والمسيح يعود من الموت، وبعد الجدب ينهمر المطر.
علاقة السياب بالماء علاقة حياة وأمل وثروة للمقهورين وثورة ضد الظلم والتحرر من السلطة المستبدة. من هنا تمكن السياب إعطاء معان جديدة وفضاءات مفتوحة للآية القرآنية: ?وجعلنا من الماء كل شيء حي?، ولطقس المعمودية عند المسيحيين، فاتسعت دلالة الماء وأبعاده، ليلمس في شعر السياب حلم الأرض والإنسان والسماء، والولادة الجديدة معًا.
لعل قصيدة "أنشودة المطر" للسياب من أكثر القصائد التي تناولها النقّاد العرب المعاصرون(17)، ويمكن القول إن هذه القصيدة مرت عليها المدارس النقدية الحديثة كافة، وقد رسمت فيها بيانات ودوائر، حتى باتت الصفحات التي كتبت فيها وعنها تتسع لعدد من المجلدات. أمام هذا الوضع، ماذا يمكن أن يضيف هذا البحث؟ لعل الإجابة، تكون أن البحث سيتناول هذه القصيدة، أو مقاطع منها وفق السياق المتعلق عليه، ألا وهو مدى استفادتها من النص الديني المقدس، وتقديم انزياحات تشكل المفصل بين النص الإبداعي الذي يتجدد كلما قرأته، والنص العادي الذي يموت أحيانًا قبل أن تقع العين عليه.
ومما لا شك فيه أن قصيدة أنشودة المطر تنتمي إلى القراءة الأولى، حيث يجد المرء نفسه أمام نص يضج بالروح التموزي - المسيحي، نص شفاف ممتع، تعشقه الذاكرة وتحن إليه كالحنين إلى الحبيبة الأولى.
يستهل السياب نصه بوصف امرأة ما، وهذه المرأة غير المحددة المطلقة تشكل مفتاحًا أساسيًا للقصيدة، إذ من خلالها ينطلق السياب ليقول ما يريد ويفعل ما يريد: ينتفض، يشكو، يثور، يصرخ، يبكي، يجوع، يشرب، يموت / يحيا.
يقول:
عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحر،
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر،
عيناك حين تبسمان تورق الكروم.
أمام هذا المطلع، تستحضر الذاكرة بدايةً، مطالع الشعر الغزلية عند الشعراء العرب القدامى، حيث تتفق على الاستهلال بوصف الحبيبة والتغزل بجمالها، واللوعة من فراقها. غير أن السياب تخطى هذا الأسلوب ليضخ هنا بعدًا آخر، وتتحول عين هذه المرأة إلى فعل خلق وولادة، أشبه بالمعجزات التي يحققها الأنبياء. هل هذه المرأة هي الإلهة عشتروت، أو هي إنزياح لرمز المسيح - تموز، حيث يتحول الـ "هو" إلى الـ "هي"؟. أو "هي" العراق وطن الشاعر، وقد أشار إليها بغابتي نخيل، والعراق يعرف عادة بأرض السواد، والسواد المقصود هنا، هو دلالة على كثافة أشجار النخيل المزروعة فيه؟
لعل هي كل هذا، عشتروت والعراق والمسيح المتمثل هنا أيضًا، بالكرمة التي كانت رمزًا له وبعثًا لكل حي. يدخل السياب منذ البداية في لعبة المشهد، حيث الحركة تنبعث في الأشياء - كل الأشياء - من خلال نقطة ارتكاز واحدة هي العينين؛ فهو ينطلق من "وميض" ليمتد إلى الأرض وزرعها، السماء وكواكبها. ثم ينهمر المطر، رمز تموز إله الخصب والنماء وزوج الأرض وابنها الذي يقوم بتخصيبها واضعًا في أحشائها بذرة الحياة.
إلا أن الحياة التي بدأت ترتعش في الطبيعة، تتكشف عن "مساء يتثاءب" و"دموع ثقال" "كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام".. ماذا حدث؟ لم توقف كل هذا الفرح فجأة، واستفاقت ملء روح السياب رعشة البكاء، حيث امتزجت دموعه بدموع المطر، ولم يعد بالإمكان التفريق فعلياً بينهما؟.يواصل السياب الدخول عميقا في رحلة موت المطر/ الدمع في عمق الأرض، لتبرز طفلاً فقد أمه، سمع أنها ترقد "هناك في جانب التل تنام نومة اللحود" "تسف من ترابها وتشرب المطر".
الأم / الأرض/ الوطن، هذه الثالوث المقدس ينفرج بالتدريج في سياق القصيدة، متوحدًا في بوتقة المطر المنهمر من السماء / فوق ومن الشاعر/تحت، إلا أنهما يلتقيان معًا عندما ينقران قشرة التراب، ليدخلا في رحم الأرض ويزيلا غشاء "العتمة".

"أتعلمين أي حزنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء - كالدم المراق،
كالجياع،
كالحب، كالأطفال، كالموتى - هو المطر‍"(18)
يقف السياب بين مطرين، مطر الحياة ومطر الموت، ففي الأولى، التي تأتي لاحقًا، ثمة قيامة لا بد منها لتستمر الحياة نفسها، أما في الموقف الثاني فثمة "جوقة" متنوعة، وثمة لغة يائسة تهرّ بالتشبيهات دون أن تدرك ما تقول، كأنها تهذي، أو هي تهذي فعلاً: إذ كيف يمكن أن يشبّه المطر بالدماء والجياع والموتى من جهة، وبالأطفال والحبّ من جهة أخرى، غير إنسان مليء بالحزن والألم والغربة؛ إنسان شفاف كالماء، لا يخفي ما يمر عليه، بل يعكسه ويصبح جزءًا من شكله العام. فالسياب هو المطر، بتناقضه ووضوحه وموته وولادته.
هنا يتداخل السياب/ تموز - رمز المطر - مع المسيح الذي معه ترسخ مفهوم قداسة الماء، وضرورته لتطهير البشر من الخطيئة الأولى. والسياب يبكي، ويتألم، ويلمس الدماء والموتى، والمسيح فعل ذلك أيضًا، مع اختلاف في التفاصيل، فالأول يريد لشعبه الحياة والأمل والحرية، أما الآخر فيتحمل عذاباته وآلامه لأجل البشرية كلها.

أصيح بالخليج:
"يا خليجيا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!
"فيرجع الصّدى
كأنه النشيج:
"يا خليج يا واهب المحار والردى.."

الواهب هو الله، لكن السياب ينحرف في صلاته، ويطلب العون من الخليج، الغني باللؤلؤ، رمز الثروة والبذخ والحياة الكريمة، إنما هذا الخليج يتحول إلى واد قاحل لا مستجيب فيه ولا إنسان، فيعود صدى الصلاة، إنما بدون لفظة "اللؤلؤ"، يسقط منها، وكأنه لا يريد لهذا المنادي أن يستمتع، حتى، بما تحمله اللفظة من معانٍ وأبعاد.
يواصل السياب نسج أنشودته، فيكاد يسمع العراق يذخر الرعود، ويخزن البروق، حتى إذا فضّ عنها ختمها الرجال، هبت رياح الثورة، ومحت كل شيء أمامها، كما فعل الله في "ثمود". هنا يوظف السياب في قصيدته، مرة أخرى، رمزًا من رموز الفعل الإلهي ليحيله على فعل إنساني "الرجال"، وكأن غضبهم يتماهى مع غضب الخالق على ثمود، التي فسُد أهلها فيها، ففجروا، وكفروا، فاستحقوا العقاب.
إنما الأمل عند السياب يأخذ مكانه، دائمًا، فبعد اليباس والجوع والموت والقهر، المنفصل عن المطر/ الحي والمتصل بالمطر/ الدمع، ثمة مطر متوحد بالإنبعاث، بـ "مبسم جديد / أو حلمة تورّدت على فم الوليد/ في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة"(19).
إن المطر لم يطهّر أرض العراق من الجوع في البداية، إنما مع الموت، أخذت النتيجة مسارًا آخر، هو الخروج إلى الحياة. لأن الجفاف لن يستمر، والمطر يهطل ممزوجًا بدم العبيد، ويغدو كل فرد من أبناء العراق تموزًا ومسيحًا يهب بموته الخلاص، والحياة.
وإذا تأخر رمز الماء للدخول في قصيدة أنشودة المطر، فإنه "يبلل" منذ البداية، قصيدة السياب "النهر والموت"(20). وقد ورد فيها ثلاث وأربعون إشارة إلى الماء موزعة على العنوان، والمقاطع بحسب أجوائها ودلالاتها(21).
عالج السياب من خلال عالم الموت موضوعين أساسيين هما: الحياة في الموت، والموت في الحياة، وهذه الرؤيا للموت قادته إلى جعل الصراع بين الموضوعين واضحًا في قصيدة "النهر والموت"، وأن اختيار الماء في هذه القصيدة هو اختيار الموت كتجربة، تجتازها الذات الفردية والجماعية، لتكشف إمكانية التحول الذي هو مفهوم أساسي من مفاهيم الحداثة العربية (22). وفي خضم ذلك يستحضر المسيح ومعجزاته وتموز المرتبطين في النسق المائي.
بويب..بويب..
أجراس برجٍ ضاع في قرارة البحر
الماء في الجرار،
والغروب في الشجر
وتنضح الجرار أجراسًا من المطر

كما يلاحظ، أن هذه المقطع من "النهر والموت" لا يبتعد عن أرضية قصيدة "أنشودة المطر"، بل ويمكن القول إنهما معًا يشكلان وحدة متداخلة تتوسل عنصر الماء لتأكد فعل التضحية من أجل حياة أفضل. "بويب" نهر يقع في قرية الشاعر التي تدعى: جيكور، ومن خلال هذا النهر/ البداية، يدخل السياب في لعبة الزمن، فيعود للوراء ليموت في الحاضر، وينتصر في القادم من الأيام. ويتخذ، لتحقيق هذا الفعل، عناصر متنوعة، غنية في دلالاتها، وحضورها الديني.
فـ "الماء في الجرار"، تحيل إلى معجزة المسيح الأولى، وهي تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، إنما السياب يحور هذا الفعل التحول/المعجزة، ليتحول الماء في الجرار إلى أجراس من المطر، أي يعود الماء إلى دورته الطبيعية، المقتصرة هنا على نصف الدائرة: الماء - المطر مباشرة. إنما هذا النهر يكتسب خاصية للبشر، وهي "الحزن":

فيدلهم في دمي حنين
إليك يا بويب،
يا نهري الحزين كالمطر.
النهر/ المطر انعكاس لذات السياب، لدمه المتصل به. هذا الاتصال: الدم/ المطر، الذي يرد في أكثر من مكان في ديوان السياب(23)، هو حضور مسيحي بامتياز، وهو حضور الحياة، فجريان الدم صنو الحياة في الإنسان، وجريان الماء في الأرض صنو الزرع والثمار والتجدد، فهما يكملان بعضهما، وقد تمكن السياب أن يبرز هذه التكاملية في شعره.
وأنت يا بويب…
أودّ لو غرقت فيك،
ألقط المحارأشيد منه دار
يضيء فيها خضرةَ المياه والشجر
ما تنضح النجوم والقمر،
وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر!
فالموت عالم غريبٌ يفتن الصغار،
وبابه الخفي كان فيك، يا بويب..(24)
السياب يتمنى الغرق/الموت في النهر، لكن هذه الأمنية لا تعكس رغبة غياب تامة، إنما هي رحلة موت للعودة ثانية مصاحبة بتحقيق الأحلام، إنه - على حد تعبير خالدة سعيد - غرق يحيي(25)، غرق الموت فيه حياة، وهذا الفعل، في الواقع لا يكون إلا في رحم الأم، فهو الحيز الوحيد الذي يكون الموت فيه حياة، باعتبار أن موت النطفة حياة الجنين، وموت الجنين حياة الطفل(26). ويدعم هذا التأويل الدار المشيدة من المحار، الدار الغارقة في قرارة النهر، فالمحارة حاضنة الحياة رمز من رموز الأمومة(27). وقد اكتسبت بعدًا جنسيًّا للشبه الوظيفي بينها وبين رحم الأم.
كما يلاحظ أن أوصاف هذه المحارة - الدار هي أوصاف فردوسية : الطمأنينة، الخضرة، الماء، الأنوار الندية(28). تتداخل في هذا المقطع دور أو أحضان ثلاثة هي: الرحم/ الدار الفردوسية/ العالم الغريب. وتنتمي هذه الدور إلى مستويات ثلاثة: المستوى الذاتي، أو مستوى الوعي الباطن، المستوى الاجتماعي والوعي بالقهر والحرمان، وبالتالي الحلم ببيت فردوسي، ثم المستوى الكوني، والرغبة في الاتحاد بالكون مقدمة للولادة الجديدة التي تضمرها حكمًا العودة إلى الرحم(29).
بويب / النهر يحمل وجهي الموت والحياة، فالانبثاق منه حياة، والدخول فيه حركة الحياة في اتجاه معكوس، عودة إلى الأصل، إلى المنبع، والأساطير(30) والشخوص الدينية تؤكدان هذا الوجه المزدوج للنهر: الحياة والموت، فإحالة مشهدية النبي يونس (أو يونان) الخارج من بطن الحوت، كذلك خروج النبي يوسف من الجب الذي ألقوه فيه إخوته، وما حدث مع النبي موسى عندما ألقته أمه في الماء، علّها بذلك تجنبه عقاب فرعون، هذه المشاهد تجسد فعلاً متشابهًا ومتقاطعًا هو الرحلة من الموت إلى الحياة الجديدة.
ولا شك، هذا الحشد من الرموز الدينية يحضر، عندما يتلمس النص الشعري رحلة الموت/ الحياة، ويحضر بقوة وبتوسع عندما يضيف النص إلى هذه الرحلة عنصر الماء، جذر كل شيء حي على هذه الأرض.
أودّ لو عدوتُ أعضد المكافحين
أشد قبضتي ثم أصفع القدر.
أودّ لو غرقتُ في دمي إلى القرار،
لأحمل العبء مع البشر وأبعث الحياة.
إن موتي انتصار!(31).
السياب ينتقل في المقطع الأخير من قصيدته من الغرق في النهر/الفردوس بحثًا عن العدل والجمال والأمان، إلى الغرق في الدم/ الحياة الجديدة. رحلة تبدأ من الكوني لتهبط على الأرض، وكأن السياب يريد أن يقول لتحقيق الرحلة الأولى/ السماوية، علينا بداية العمل على ملامسة معاناة الرحلة الثانية/ الأرضية: أعضد المكافحين- أصفع القدر - أحمل عبء البشر...
من هذا المستوى الإنساني/ الألوهي يتخذ السياب بعدًا خارج إطار الفردية الذاتية ليتحد مع العام، مع المعذبين والمكافحين والمضطهدين والحالمين لحياة أفضل، فحين يصبح "الموت اختيارًا واعيًا، واتحادًا بالآخر، أو بالجماعة تكون الولادة التي يتأله بها الإنسان"(32).
ومما لا شك فيه أن المسيح المصلوب يبرز هنا بتفاصيله كافة، غير أن المسافة بين "المسيحين" أن لغة المسيح/الإنسان جاءت تلامس التمني والحلم غير أنها أدركت أن موتها انتصار، وبالتالي أنه "كلما مات الإنسان بات أعظم حياة، وأقدر على الموت ثم على الانتصار"(33).
أما لغة المسيح/ الإلهي فالتحمت مع الفعل والصلب/ الموت ثم الولادة الثانية.السياب، أو صانع المطر(34)، تمكن من تحويل "الماء" إلى رمز، حيث يراه المتابع منسابًا في القصيدة، متشكلاً مع رؤيتها، مع دورانها، مع سمو الغاية فيها.
لقد نفخ السياب الروح في الماء، فأنسنها، بل وشارف أن يؤلهها، معلنًا من خلالها انتصار الإرادة والسعي والحق على منطق الظلم واللاعدل والظالمين والموت. فقاموس الماء السيابي غنيّ بمدلولاته، ومفاهيمه، والإشارات التي يحيل إليها، فهو أرض وسماء وزرع وقرية ووطن وثورة وحلم وجنة وتاريخ وحاضر ومستقبل وهو أيضًا: الإنسان والله والشيطان والموت والحياة.
* الزمان- 2004 الأحد 26 ديسمبر - وموقع جهة الشعر
kamelsaleh@hotmail.com