بحث

7 فبراير 2013

الشعر والدين

مؤسسة الغاوون الثقافية
صباح زوين - العدد 10 - كانون الأول 2008
هل ثمة اليوم من لا يزال يكتب القصيدة انطلاقاً من سرّ الكلمة وسحرها؟ هل لا يزال الشاعر المعاصر يعتبر نفسه ساحر الغيب والمعرفة والكلمة؟ هل يتذكر أنه يحمل في لاوعيه البشري - الجماعي موروثات الحكمة التي أُنيطت به في القدم علماً أننا لم نعد نؤمن سوى بالفعل الكتابي كفعل وليس كوحي، بل أضحينا نسمّي الوحي تسمية أخرى؟ وإلى أي مدى شعرُنا مغموس بالرموز الدينية، حتى في أيامنا هذه؟ وهل يمكننا اعتبار قصيدة النثر العربية عودةً إلى التراث الديني في تقليدها الكتاب المقدّس الذي عرف النص الشعري النثري وغاب عنه الوزن والقافية، أم خلافاً لذلك، هي بالأحرى انتماءٌ إلى قصيدة النثر الغربية التي انبثقت من روح المدينة؟ وفي هذه الحال هل يحق للسلفيين النظر إلى القصيدة الحديثة من منظار التخوين؟ وهل نفى القرآن عن ذاته صفة الشعر أم أحبّ الشعراء؟ وكم من شاعر بيننا يكتب من أجل الفن المحض؟ وهل الغاوون الذين ذكرهم القرآن لا يزالون يشبهون الغاوين في عصرنا؟ وربما انقسم أولئك إلى قسمين، حيث الغاوون من أجل الغاوي المتسلّط، والغاوون الآخرون بسبب محض إغواء الشعر والشاعر... أسئلة لا تنتهي عن علاقة الشعر بالدين، حاول الإجابة عنها كامل صالح في كتابه الموسوم "الشعر والدين: فاعلية الرمز الديني المقدّس في الشعر العربي" (دار الحداثة).
يلخّص جان بارتليمي العلاقة المتداخلة بين الأديان البدائية والفن قائلاً:
"كان الفن في المجتمعات البدائية مرتبطاً إجمالاً بالسحر، لأنه كان يؤدي لدى الشعوب القديمة وظيفة مقدّسة، ولقد ظلّ الفن هكذا، في خدمة الطقوس زمناً طويلاً، إلى درجة لم يكن يوجد فنّ إلاّ وكان فنّاً دينياً". الفن إذاً، ومنذ بداية نشأته في حضن الدين، يُعتبر من أقوى الوسائل السحرية للسيطرة على الطبيعة. وفي ذلك يقول الباحث آرنولد هاوزر موضّحاً كيفية حركة الانفصال الأولى للفني عن الديني: "لقد انبثق من بين صفوف المجموع غير المتمايز، إلى جانب الساحر العادي والطبيب، الفنان الساحر، في وصفه أوّل المحترفين، ولمّا كان يمتلك مواهب خاصة، فهو الذي مهّد الطريق لظهور طبقة الكهنة الحقيقية. ومع مرحلة التخصص التي يتطلّبها المجتمع بحكم التطوّر، انفصلت الإمكانات التي كان يجمعها شخص واحد إلى وظائف عدّة، وهكذا بدأ الفن ينفصل عن الدين مرّة أخرى. هذه النظرة الماورائية لنشأة الشعر وطبيعته، والشاعر ووظيفته، ظلّت مستمرّة وسائدة عبر التاريخ. فأفلاطون أوجد في جمهوريته وظائف للشعراء تتناسب وطبيعة ملكتهم، إذ كان يعتقد أن الشعراء ينطقون بلسان الآلهة، وأنهم يتلقّون شعرهم وحياً من هذه القوى الماورائية، والفيلسوف الألماني هايدغر رأى من ناحيته أن المفكر يقول الوجود، أما الشاعر فيسمّي "المقدّس". بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجعل الشاعر الناطق باسم الله كالأنبياء، إذ اعتبر هايدغر أن الله يصطفي الشاعر من أجل توصيل الكلمة المقدّسة إلى بني البشر فيرتفع الشعر ليصل إلى مرتبة الرؤيا النبوية العليا.
لم يكن الشعر عارضاً في حياة الإنسان العربي، بل كان مكوّناً أساسياً في نسيج مجتمعه. ولم يكن الشعر مقتصراً على ممارسة فنّية من أجل المتعة أو اللذة الجمالية وحسب، بل تخطى هذا الإطار المحدود نحو مفاهيم أخرى، منها: الشاعر لم يكن لينظم القصيدة تعبيراً عن خوالج نفسه فقط، بل كان كذلك لسان حال عائلته وعشيرته، والحافظ شرف أصلها والمُفاخر بمحامدها. وبسبب الدور السامي الذي أُنيط بالشاعر، وخشية لسانه، قالت العرب: "لا ينبغي لعاقل أن يتعرّض لشاعر، فربما كلمة جرت على لسانه، فصارت مثلاً آخر الأبد". ولقد قيل أيضاً: "ليس لأحد أن يطري نفسه ويمدحها في غير منافرة إلاّ أن يكون شاعراً، فإن ذلك جائز له في الشعر غير معيب عليه". ولعلّ ما أضفى على الشعراء هذه المكانة العالية، الاعتقاد الذي ساد بينهم بأن لكل شاعر جنّياً يوحي إليه الشعر، فكذا اعتقد اليونانيون. وفي ذلك قال امرؤ القيس أيضاً:

"تخيّرني الجنّ أشعارها

فما شئتُ من شِعرهن اصطفيت"

وكان معظم العرب قبل الإسلام يتديّن بالوثنية، لكن ما وصل إلينا من الشعر العربي القديم يدلّ على أن هذا الشعر لم يتفاعل مع الديانة الوثنية إلاّ عرضاً، وقلّما نجد في هذا الشعر قصيدة تتحدّث عن الوثنية لذاتها. إلاّ أنه يُلاحظ من ناحية أخرى، أن الشعر في حقبة الإسلام أمدّ الدارسين بفيض من المعارف عن الحياة القريبة من الإسلام، بينما شعر ما قبل الإسلام (أو ما وصلنا منه) لم يقدّم صورة واضحة عن الحياة الدينية في تلك الحقبة. وكأن في ذلك مجاراة للإسلام، أي في التنصل من الجاهلية لما تحمل من ذكر الأصنام.

الكتاب المقدّس

أمّا عن الشعر في الكتّاب المقدّس، فنعلم أن التوراة ومعظم كتابات العبريين تأثرت بالحضارتين المصرية وبلاد ما بين النهرين، وأهم هذه الآثار الأساطير البابلية التي تدور حول قصة الخلق والطوفان وما شابه. ويُجمع العلماء على أن "سفر الأمثال" قد أُخذ معظمها عن حِكَم الحكيم المصري القديم أمينموبي، أي أن النسخة العبرانية ليست سوى ترجمة حرفية عن الأصل الهيروغليفي.
من ناحية أخرى، إذا استُثنيت الشرائع وبعض النصوص النثرية من التوراة، لجاز القول إن معظم نصوصها هي أقرب ما يكون إلى الشعر، أو هي شعر خالص الأحرى. ولا عجب في أن جذور قصيدة النثر الحديثة تعود إلى العهد القديم. لكن وعلى الرغم من وضوح الشعر في العهد القديم، لم يستقرّ العلماء على تحديد القواعد العروضية التي يسير عليها هذا الشعر، في حين أن البعض الآخر أكّد على وجود هذا الشعر، وذلك بناء على نظام الفقرات وقانونَي التقابل والتوازي. كما يُشار في هذا السياق الى أن شعر اللغات السامية لم يكن في القديم يخضع لنظام الوزن والقافية، بل كان يتميّز بالنغم وبالنبرات، وأن الاعتبارات الفنية المعروفة هي من عمل الشعراء المتأخرين الذين أحلّوا الوزن محل الإلقاء. والشعر العربي لا ينبغي له أن يندّ عن هذه القاعدة كونه ساميّاً.

القرآن

أما عن القرآن والشعر، وإذا لم يجد الباحثون حرجاً في اعتبار بعض نصوص الكتاب المقدّس شعراً، فإن اعتبار ذلك بالنسبة إلى القرآن أدّى إلى إشكالية حادة. فلم يكتفِ القرآن بنفي تهمة الشعر عن نفسه، بل اتهم الشعراء بسلوكيات قبيحة، و"أنهم يقولون ما لا يفعلون". وإذا وضّح القرآن في ما بعد أن موقفه هذا اقتصر على الشعراء الذين لم يؤمنوا بما أنزله الله على الرسول، إلاّ أن نزول هذه الآيات، التي لم تتعدّ الست، في مجتمع كان الشعر فيه ذا مكانة مميزة وشبه مقدّسة، أدّى إلى إرباك حقيقي، خصوصاً عندما فسّر بعض الدارسين سبب ضعف الشعر في صدر الإسلام. ففي هذا الصدد قال ابن سلام: "فجاء الإسلام وتشاغلت عن الشعر العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغزو فارس، والروم".
كذلك أصدر محمد فتوى جاء فيها: "من قال في الإسلام هجاءً مقذعاً فلسانه هُدر"، وقد أمر بقتل عدد من الشعراء الذين هجوه. كذلك يُروى عنه أنه قال: "لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً"! وفي هذا الصدد يقول زكي مبارك: "فرأيناهم يُسرفون في بغض الشعر والنيل من الشعراء، وكان في ذلك أن قيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكاً أعجميّاً".
من ناحية أخرى، رُوي أن محمداً وضع لحسّان بن ثابت منبراً في المسجد ليهجو الذين كانوا يهجونه. أما أبو بكر فقال له (أي لمحمد): "كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً، أشهد أنك رسول الله وما علّمناه الشعر وما ينبغي له".
إذاً، لم يتّخذ القرآن موقفاً حازماً من الشعر، لكن السؤال: لماذا نفى القرآن عن نفسه تهمة الشعر؟

الرموز الدينية

أمّا عن الرموز الدينية في الشعر العربي، فقال أحد المستشرقين: "وقف الدين سدّاً في وجه الإيمان بقدرة الإنسان على الخلق، ومما أيّده في ذلك، عجزُ الناس عن أن يميّزوا بين الخلق الفني والعقلي والخلق من العدم".
وعودة إلى الرموز الدينية، ففي الإسلام وبعده، بقيت المؤثرات اليهودية في الشعر العربي مستمرّة ؛ فالشاعر كعب بن زهير يلجأ في مدحه للرسول إلى وصف فرسان المسلمين بالقوة والإباء وهم يتسربلون دروعاً سردها لهم النبي داود بن سليمان:
"شمّ العرانين، أبطالٌ، لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل".
أما أبو نوّاس فيقسم بالنبي سليمان، وداود، وبالكعبة ليعبّر عن حبّه لأحد الغلمان.
وعن موقف السلفية من الحداثة الشعرية، يجوز القول إن التيار السلفي رفض حركة التجديد العربية، وأدانها، ليس باعتبارها مجرّد خروج على تقاليد الفكر والإبداع الشعري العربيَّين فحسب، بل وصل الأمر إلى اعتبارها خيانة ومؤامرة بهدف "تدمير كيان الأمّة"، وإلى إعلان مصطفى صادق الرافعي أن المذهب الجديد هو فساد اجتماعي وأنه يأتي بالذلّة على الأمّة. إلا أن الحداثة أخذت مجراها وراح الشعر العربي يغرف من الشعر الغربي، وللمثال لا الحصر، نعرف كم تأثر السيّاب بإليوت من حيث رموز الوثنية والميثولوجيا والمسيحية. إذاً بدأ الشعر العربي الحديث يتّخذ مساراً مختلفاً عن تاريخه بعد دخول الأسطورة والمؤثرات الغربية والصوفية إليه، جاعلاً من ذاته عنصراً مشاركاً في الخلق ومحاولاً القبض على الرؤية الشاملة للعالم. ومفهوم الأسطورة أدّى إلى نسج علاقة ملتبسة بين الرمز الأسطوري والرمز الديني لشدّة تلاحم معنيَيهما والغموض الذي يحوطهما، وسببه أصل الكلمة الإغريقية "ميتوس" التي تعني أصلاً "الكلمة"؛ وهذا الكلام، للإشارة إلى تداخل رمزَي المسيح وتمّوز، مثلاً في قصائد السيّاب؛ لا بل وكأن الشاعر العربي الحديث تحوّل إلى مسيح وإلى إله. بيد أنه يجدر الكلام أيضاً على ابتعاد السيّاب في بداياته عن توظيف أسطورة تمّوز - أدونيس في شعره، وهذا الإحجام كان بسبب تهيُّب الشاعر من الإسلام: فتلك الرموز الوثنية كان قد قضى عليها الإسلام، خصوصاً إذا تذكّرنا ما يحمل رمز تمّوز من إشارات إلى المسيحية. إلاّ انه عاد وخاض فيها بقوّة في قصائده، وكأنه مع يوسف الخال وخليل حاوي وغيرهما، عاد إلى هذا المزج بين الرمزَيْن ليحاول "الغور إلى أعماق الحياة البشرية، بحيث يصبح الموت طريقاً إلى الحياة". وكما قارب السيّاب بينه وبين المسيح خصوصاً في "مرثية جيكور" حيث تماهى الإله بالشاعر، كذلك فعل أدونيس في ديوانه "أوراق الربيع" حيث قارب النص القرآني بقوله: "ربّي هيّىء موضعاً مباركاً لعبدك الذليل، هبني مقعداً منعماً أكوابه من فضة وذهب، ولدانه مخلدون، هبني الخلود في جوارك الحبيب، يا إلهي"؛ ففي النص القرآني في الآية 17 من "سورة الواقعة" نقرأ: "يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين". يقول أدونيس أيضاً: "يا لهب النار الذي ضمّه لا تك برداً، لا ترفرف سلامْ"؛ والآية القرآنية تقول:"يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم".
تخطّى إذاً شعراء الحداثة العربية التابو الديني، وتمكّنوا من تحطيم قدسية النص المقدّس، وهذا أثرى التجربة الشعرية وأضاف إليها أبعاداً جديدة وغير مسبوقة. وتقاربُ القصيدة من النص الديني وتَمازج شخصية الشاعر بالإله أو النبي، أدّيا إلى استفزاز السلفيين إلى درجة اتهامهم الشاعر الحديث بالخيانة والعمالة!
«الغاوون»، العدد 10، 1 كانون الأول 2008

جديد الموقع

الأكثر مشاهدة (كل الوقت)

خذ ساقيك إلى النبعخذ ساقيك إلى النبع by كامل فرحان صالح
My rating: 5 of 5 stars

ديوان «خذ ساقيك إلى النبع» للشاعر والأكاديمي اللبناني كامل فرحان صالح، صدر لدى «الهيئة العامة لقصور الثقافة» في القاهرة في العام 2013، ضمن «سلسلة آفاق عربية» الشهرية. وأتى هذا الديوان بعد عشرين سنة من صدور ديوان «كناس الكلام» للشاعر صالح، الصادر لدى دار الحداثة في بيروت في العام 1993.
يضم الديوان الجديد الذي وقع في 139 صفحة، 44 قصيدة، وقد أهداه صالح «إلى أرواح من عبروا». أما الغلاف فهو من تصميم أحمد اللباد. يعدّ «خذ ساقيك إلى النبع» الرابع لصالح، بعد « أحزان مرئية » (1985)، و« شوارع داخل الجسد » (1991). و« كناس الكلام ». كما له في الرواية: جنون الحكاية - قجدع ) (1999)، و« حب خارج البرد » (2010). وفي الدراسة: « الشعر والدين: فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي » (ط1 ــ 2004، ط2 – 2010). و" حركية الأدب وفاعليته : في الأنواع والمذاهب الأدبية " (ط1: 2017، وط2: 2018)، و" ملامح من الأدب العالمي " ( ط1: 2017، وط2: 2018)، و" في منهجية البحث العلمي " (ط1: 2018 ).
كتبت عدة دراسات وقراءات في الديوان، ويمكن الاطلاع عليها عبر موقع الشاعر، عبر الرابط الآتي:
https://kamelsaleh1969.blogspot.com/s...
ويمكن تحميل ديوان خذ ساقيك الى النبع من هنا :
https://documentcloud.adobe.com/link/...

View all my reviews